ابن خلدون

227

تاريخ ابن خلدون

إخوانهم وكان شأنهم ذلك متى غاظهم السلطان فقد سبق في أخبار المستنصر بن أبي حفص مثلها وأهدوا إلى السلطان ثوبا من كسوة البيت شغف به واتخذ منه ثوبا للباسه في الجمع والأعياد يستبطنه بين ثيابه تبركا به ولما وصلت هدية السلطان إلى صاحب مصر لعهده الملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحي حسن موقعها لديه وذهب إلى المكافأة فجمع من طرف بلاده من الثياب والحيوان ما يستغرب جنسه وشكله من نوع الفيل والزرافة وأوفد بها من عظماء دولته الأمير اليليلى وفصل من القاهرة أخريات سنة خمس ووصلت إلى تونس في ربيع من سنة ست بعدها ثم كان وصولها إلى سدة السلطان بالمنصورة من البلد الجديد في جمادى الآخرة واهتز السلطان لقدومها وأركب الناس إلى لقائها واحتفل للقاء هذا الأمير اليليلى ومن معه من أمراء الترك وبرد وفادتهم واستبلغ في تكريمهم نزلا وقرى وبعثهم إلى المغرب على العادة في مبرة أمثالهم وهلك السلطان خلال ذلك وتقبل أبو ثابت سنة من بعده في تكريمهم فأحسن منقلبهم وملاء حقائبهم صلة وفصلوا من المغرب لذي الحجة سنة سبع ولما انتهوا إلى بلاد بنى حسن في ربيع من سنة ثمان اعترضهم الاعراب بالقفر فانتهبوهم وخلصوا إلى مصر ؟ ؟ الزمن فلم يعاودوا بعدها إلى المغرب سفرا ولا لفتوا إليه وجها وطالما أوفد عليهم ملوك المغرب بعدها من رجال دولتهم من يؤبه له ويهادونهم ويكافئون ولا يزيدون في ذلك كله إلى الخطاب شيئا وكان الناس لعهدهم ذلك يتهمون ان الذين نهبوهم اعراب حصين بدسيسة من صاحب تلمسان أبى حمو لعهدهم منافسة لصاحب المغرب لما بينهم من العداوات والإحن القديمة ( أخبرني ) شيخنا محمد ابن إبراهيم الأبلي قال حضرت بين يدي السلطان وقد وصله بعض الحاج من أهل بلده مستصحبا كتاب الملك الناصر بالعتاب عن شأن هؤلاء الأمراء وما أصابهم في طريقهم من بلاده وأهدى له مع ذلك كوبين من دهن البلسان المختص ببلدهم وخمسة مماليك من الترك رماة بخمسة أقواس من قسى الغز المؤنقة الصنعة من العرى والعقب فاستقل السلطان هديته تلك بالنسبة إلى ما أهدوا إلى ملك المغرب ثم استدعى القاضي محمد بن هدية وكان يكتب عنه فقال له اكتب الآن إلى الملك الناصر كما أقول لك ولا تحرف كلمة عن موضعها الا ما تقتضيه صناعة الاعراب وقل له أما عتابك عن شأن الرسل وما أصابهم في طريقهم فقد حضروا عندي ؟ ؟ لهم الاستعجال حذرا مما أصابهم وأريتهم مخاوف بلادنا وما فيها من غوائل لاعراب فكان جوابهم انا جئنا من عند ملك المغرب فكيف نخاف مغترين بشأنهم يحسبون أن أمره نافذ في اعراب فلاتنا وأما الهدية فترد عليك أما دهن البلسان فنحن قوم بادية لا نعرف الا الزيت